الغزالي

153

إحياء علوم الدين

على العبد بالجوع والسقم والبلاء إلا من شاء الله . وقال : اعلموا أن هذا زمان لا ينال أحد فيه النجاة إلا بذبح نفسه وقتلها بالجوع والسهر والجهد . وقال : ما مر على وجه الأرض أحد شرب من هذا الماء حتى روي فسلم من المعصية وإن شكر الله تعالى فكيف الشبع من الطعام . وسئل حكيم ، بأي قيد أقيد نفسي ؟ قال قيدها بالجوع والعطش ، وذللها بإخمال الذكر وترك العز ، وصغرها بوضعها تحت أرجل أبناء الآخرة ، واكسرها بترك زيّ القراء عن ظاهرها ، وانح من آفاتها بدوام سوء الظن بها ، وأصحبها بخلاف هواها . وكان عبد الواحد ابن زيد يقسم باللَّه تعالى ، أن الله تعالى ما صافي أحدا إلا بالجوع ، ولا مشوا على الماء إلا به ولا طويت لهم الأرض إلا بالجوع ، ولا تولاهم الله تعالى إلا بالجوع وقال أبو طالب المكي ، مثل البطن مثل المزهر ، وهو العود المجوف ذو الأوتار ، إنما حسن صوته لخفته ورقته ، ولأنه أجوف غير ممتلئ . وكذلك الجوف إذا خلا كان أعذب للتلاوة ، وأدوم للقيام ، وأقل للمنام . وقال أبو بكر بن عبد الله المزني ، ثلاثة يحبهم الله تعالى رجل قليل النوم ، قليل الأكل ، قليل الراحة . وروى أن عيسى عليه السلام ، مكث يناجي ربه ستين صباحا لم يأكل ، فخطر بباله الخبز ، فانقطع عن المناجاة ، فإذا رغيف موضوع بين يديه . فجلس يبكى على فقد المناجاة وإذا شيخ قد أظله ، فقال له عيسى بارك الله فيك يا ولى الله ، ادع الله تعالى لي ، فإني كنت في حالة . فخطر ببالي الخبز ، فانقطعت عنى . فقال الشيخ ، اللهم إن كنت تعلم أن الخبز خطر ببالي منذ عرفتك فلا تغفر لي . بل كان إذا حضر لي شيء أكلته من غير فكر وخاطر وروى أن موسى عليه السلام ، لما قربه الله عز وجل نجيا ، كان قد ترك الأكل أربعين يوما ، ثلاثين ثم عشرا ، على ما ورد به القرءان ، لأنه أمسك بغير تبييت يوما ، فزيد عشرة لأجل ذلك